أبو الليث السمرقندي
323
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال : وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني : أخشوا اللّه عز وجل فيما يأمركم ، وينهاكم ، ولا تخالفوا أمر اللّه ورسوله . وقوله : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني : سميع الدعاء ، عليم بخلقه . ويقال : سميع لقول المستأمنين ، عليم بنيات الذين قتلوهما . وفي الآية بيان رأفة اللّه عز وجل على عباده ، حيث سماهم مؤمنين مع معصيتهم . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 2 إلى 3 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 ) فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ولم يقل : يا أيها الذين عصوا وقد ذكرنا من قبل أن النداء على ست مراتب ، وهذا نداء مدح . قوله عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ نزلت في وفد بني تميم قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهم سبعون أو ثمانون ، منهم الأقرع بن حابس ، والزبرقان بن بدر ، وعطارد بن الحجاب ، وذلك حين قالوا : ائذن لشاعرنا ، وخطيبنا في الكلام ، فعلت الأصوات ، واللغط ، فنزلت الآية لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ويقال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، وكان في أذنه وقر ، فكان إذا تكلم ، رفع صوته . ثم قال : وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ يعني : لا تدعوه باسمه ، كما يدعو الرجل الرجل منكم باسمه ، ولكن عظموه ، ووقروه ، وقولوا : يا نبي اللّه ، ويا رسول اللّه . ثم قال : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أن ذلك يحبطها . يعني : إن فعلتم ذلك ، فتحبط حسناتكم . وقال بعضهم : من عمل كبيرة من الكبائر حبط جميع ما عمل من الحسنات واحتج بهذه الآية : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ ولكن نحن نقول : الكبيرة لا تبطل العمل ما لم يكفر ، وإنما ذكر هاهنا إبطال العمل ، لأن في ذلك استخفافا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم . ومن قصد الاستخفاف بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم كفر . فلما نزلت هذه الآية ، دخل ثابت بن قيس بيته ، وجعل يبكي ، ويقول : أنا من أهل النار . فذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فبعث إليه ، وقال : « إنّك من أهل الجنّة بل غيرك من أهل النّار » . فقال : يا رسول اللّه لا أتكلم بعد ذلك إلا سرا ، أو ما كان يشبه السر فنزل : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى اللّه عليه وسلم روى ثابت عن أنس قال : لما نزل لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ وكان ثابت بن قيس رفيع الصوت . فقال : أنا الذي كنت أرفع صوتي ،